الْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ سَيِّدَ الْأَوَّلِينَ والآخرين كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
{ إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ بِنَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلَا يَأْخُذُهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِن النَّارِ } فَهَذَا سَيِّدُ الْحُكَّامِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ يَقُولُ إذَا حَكَمْت لِشَخْصِ بِشَيْءِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَلَا يَأْخُذُهُ .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ لَا يَنْفُذُ فِي الْبَاطِنِ فَلَوْ حَكَمَ لِزَيْدِ بِمَالِ عَمْرٍو وَكَانَ مُجْتَهِداً مُتَحَرِّياً لِلْحَقِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ .
وَأَمَّا فِي " الْعُقُودِ والفسوخ " مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ بِنِكَاحِ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ فَسْخِ بَيْعٍ فَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ لَا يَنْفُذُ أَيْضاً وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ ؛ وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ عَالِماً عَادِلاً وَقَدْ حَكَمَ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ .
و " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ " كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ .
وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ .
وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ } فَالْقَاضِي الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إذَا حَكَمَ لِلْإِنْسَانِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ إذَا حَكَمَ فِي الدِّينِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ ؛ بَلْ هُوَ فِيهِ وَاحِدٌ مِن المُسْلِمِينَ إنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ وَإِلَّا سَكَتَ ؛
مجموعة الفتاوى — صفحة 377
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٧