نَشَأَتْ الْفِتَنُ بَيْنَ الْأُمَّةِ .
فَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِن الأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؛ فَذَمُّوهُمْ وَأَبْغَضُوهُمْ .
وَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا فَعَلُوهُ مِن الأُمُورِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَأَحَبُّوهُمْ .
ثُمَّ الْأَوَّلُونَ رُبَّمَا عَدُّوا حَسَنَاتِهِمْ سَيِّئَاتٍ .
وَالْآخَرُونَ رُبَّمَا جَعَلُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَسَّرَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي الْإِمَارَةِ إلَّا بِنَوْعِ مِن المُلْكِ : فَهَلْ يَكُونُ الْمُلْكُ مُبَاحاً كَمَا يُبَاحُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ ؟ ذَكَرْنَا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ ؛ فَإِنْ أُقِيمَ التَّعَسُّرُ مَقَامَ التَّعَذُّرِ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إثْماً وَإِنْ لَمْ يَقُمْ كَانَ إثْماً .
وَأَمَّا مَا لَا تَعَذُّرَ فِيهِ وَلَا تَعَسُّرَ : فَإِنَّ الْخُرُوجَ فِيهِ عَنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى .
" فَالتَّحْقِيقُ " أَنَّ الْحَسَنَاتِ : حَسَنَاتٌ وَالسَّيِّئَاتِ : سَيِّئَاتٌ وَهُمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً .
وَحُكْمُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ مِن السَّيِّئَاتِ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِهِ .
وَلَا يُجْعَلُ حَظُّ أَنْفُسِهِمْ عُذْراً لَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ ؛ إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّرِيعَةُ عَذَرَتْهُمْ ؛ لَكِنْ يُؤْمَرُونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِن الحَسَنَاتِ وَيُحَضُّونَ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَيُرَغَّبُونَ فِيهِ .
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ إلَّا بِالسَّيِّئَاتِ الْمَرْجُوحَةِ ؛ كَمَا يُؤْمَرُ الْأُمَرَاءُ بِالْجِهَادِ ؛ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ إلَّا بِنَوْعِ مِن الظُّلْمِ الَّذِي تَقِلُّ مَفْسَدَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ .
ثُمَّ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ إذَا نُهُوا عَنْ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ تَرَكُوا الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةَ الْوَاجِبَةَ لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا ؛ لِمَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ الْحَسَنَاتِ الْوَاجِبَةِ ؛ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيُفْعَلُ حِينَئِذٍ تَمَامُ الْوَاجِبِ كَمَا كَانَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 31
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١