كِتَابُ الْحُدُودِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - :
فَصْلٌ :
خَاطَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ خِطَاباً مُطْلَقاً كَقَوْلِهِ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا } وَقَوْلِهِ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا } وَقَوْلِهِ : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } لَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْفِعْلِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِراً عَلَيْهِ وَالْعَاجِزُونَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَهُوَ مِثْلُ الْجِهَادِ ؛ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِن الجِهَادِ .
فَقَوْلُهُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } وَقَوْلُهُ : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وَقَوْلُهُ : { إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ } وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِن القَادِرِينَ و " الْقُدْرَةُ " هِيَ السُّلْطَانُ ؛ فَلِهَذَا : وَجَبَ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى ذِي السُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ .
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ إمَامٌ وَاحِدٌ وَالْبَاقُونَ نُوَّابُهُ فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ الْأُمَّةَ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ لِمَعْصِيَةِ مِنْ بَعْضِهَا وَعَجْزٍ مِن البَاقِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 175
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٥