لَثَبَتَ فِيهِ الرَّجْعَةُ وَهَذَا يُزِيلُ مَعْنَى الِافْتِدَاءِ ؛ إذْ هُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ؛ فَإِنَّا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْخُلْعَ الْمُطْلَقَ يَمْلِكُ فِيهِ الْعِوَضَ وَيَسْتَحِقُّ فِيهِ الرَّجْعَةَ .
لَكِنْ قَالَ طَائِفَةٌ هُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ؛ فَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْعِوَضَ وَرَاجَعَهَا ؛ وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْعِوَضِ : هَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ .
وَبُطْلَانُ الْجَمْعِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد .
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُوجِبُ الْعِوَضَ وَيَرُدُّ الرَّجْعَةَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الرَّجْعَةَ وَيُبْطِلُ الْعِوَضَ .
وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ ؛ وَلَيْسَ عَنْ أَحْمَد فِي ذَلِكَ نَصٌّ .
وَقِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَد صِحَّتُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا لَوْ بَذَلَتْ مَالاً عَلَى أَنْ تَمْلِكَ أَمْرَهَا .
فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ جَوَازُ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى فَسَادِهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ عِنْدَهُ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ بَلْ مَا خَالَفَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ وَنَاقَضَ حُكْمَهُ ؛ كَاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتَقِ وَاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ لِلْوَطْءِ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَنَحْوَ ذَلِكَ .
" وَأَيْضاً " فَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظٍ وَلَفْظٍ فِي الْخُلْعِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ : لَا الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِيهِمْ .
وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَحَدٍ ؛ بَلْ ذَكَرَ : أَنَّهُ يَحْسَبُ أَنَّ الصَّحَابَةَ يُفَرِّقُونَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ نَقْلاً لِقَوْلِ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ .
وَالشَّافِعِيُّ ذَكَرَ هَذَا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ .
وَرَجَّحَ فِيهِ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَلَيْسَ بِفَسْخِ فَلَمْ يُجِزْ هَذَا الْقَوْلَ لِمَا ظَنَّهُ مِنْ تَنَاقُضِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ بِلَفْظِ طَلَاقاً بَائِناً مِن الثَّلَاثِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 300
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٠