وَمِن القَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ مِنْ اشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ : فَهَذَا أَيْضاً لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ .
وَقَدْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ مَنْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَطْعاً فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ فِيهَا هَذَا .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد عَلَى قَوْلِهِ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ .
فَقِيلَ : يُجْزِئُ فَاسِقَانِ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقِيلَ : يُجْزِئُ مَسْتُورَانِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَقِيلَ : فِي الْمَذْهَبِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ .
وَقِيلَ : بَلْ إنْ عَقَدَ حَاكِمٌ فَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا بِمَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْحُكَّامَ هُمْ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَبْرُورِ وَالْمَسْتُورِ .
ثُمَّ الْمَعْرُوفُ الْعَدَالَةِ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ : فَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَدِيماً وَحَدِيثاً : حَيْثُ يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُهُمْ .
وَإِنْ اشْتَرَطُوا مَنْ يَكُونُ مَشْهُوراً عِنْدَهُمْ بِالْخَيْرِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَدْلِ لِمَقْبُولِ الشَّهَادَةَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ .
ثُمَّ الشُّهُودُ يَمُوتُونَ وَتَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ : مَقْصُودُ الشَّهَادَةِ إثْبَاتُ الْفِرَاشِ عِنْدَ التجاحد حِفْظاً لِنَسَبِ الْوَلَدِ .
فَيُقَالُ : هَذَا حَاصِلٌ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ وَلَا يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ مَعَ الْكِتْمَانِ مُطْلَقاً .
فَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ مَعَ الْإِعْلَانِ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ .
وَأَمَّا مَعَ الْكِتْمَانِ وَالْإِشْهَادِ فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ .
وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ .
فَهَذَا الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ .
وَإِنْ خَلَا عَنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ : فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ خِلَافٌ
مجموعة الفتاوى — صفحة 130
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٠