الصِّنَاعَاتِ : كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَايَةِ : فَعَلَى أَهْلِهَا بَذْلُهَا لَهُمْ بِقِيمَتِهَا كَمَا عَلَيْهِمْ بَذْلُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِقِيمَتِهَا ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَبَذْلِ الْمَنَافِعِ ؛ بَلْ بَذْلُ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَا يَضُرُّ بَذْلُهَا أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مُعَاوَضَةً وَيَكُونُ بَذْلُ هَذِهِ فَرْضاً عَلَى الْكِفَايَةِ .
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ أُصُولَ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ : فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ .
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ؛ وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا فَلَا تَجِبُ .
وَهَذِهِ حَكَيْنَا بَيْعَهَا ؛ فَإِنَّ مَنْ يُوجِبُهَا إنَّمَا يُوجِبُهَا بِالْمُعَاوَضَةِ ؛ لَا تَبَرُّعاً .
فَهُوَ إيجَابُ صِنَاعَةٍ بِعِوَضٍ ؛ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا .
وَقَوْلِي عِنْدَ الْحَاجَةِ .
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنْ الصِّنَاعَةِ بِمَا يَجْلِبُونَهُ أَوْ يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ .
وَالْأَصْلُ أَنَّ إعَانَةَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسُّكْنَى أَمْرٌ وَاجِبٌ .
وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ بِذَلِكَ وَيُجْبِرَ عَلَيْهِ ؛ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْماً بَلْ إيجَابُ الشَّارِعِ لِلْجِهَادِ الَّذِي فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ لِأَجْلِ هِدَايَةِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ : أَبْلَغُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ .
فَإِذَا كَانَتْ الشَّجَاعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا وَالْكَرَمُ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ وَاجِباً فَكَيْفَ بِالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِحُكْمِ الْعَادَاتِ وَالطِّبَاعِ وَطَاعَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤