وَلَكِنْ أَمَرَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُجْمَلاً وَالتِّرْمِذِي .
وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ أَخْبَرَ طاوس عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا دَعَاهُمْ إلَى الْأَفْضَلِ وَهُوَ التَّبَرُّعُ قَالَ : { وَأَنَا أُعِينُهُمْ وَأُعْطِيهِمْ } وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ الَّذِي مِنْهُ وَاجِبٌ وَهُوَ تَرْكُ الرِّبَا وَالْغَرَرِ .
وَمِنْهُ مُسْتَحَبٌّ كَالْعَارِيَةِ وَالْقَرْضِ .
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ التَّبَرُّعُ بِالْأَرْضِ بِلَا أُجْرَةٍ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ كَانَ الْمُسْلِمُ أَحَقَّ بِهِ فَقَالَ : " { لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجاً مَعْلُوماً } " وَقَالَ : { مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ أَوْ لِيُمْسِكْهَا } " فَكَانَ الْأَخُ هُوَ الْمَمْنُوحَ .
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسُوا مِن الإِخْوَانِ عَامَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَمْنَحْهُمْ ؛ لَا سِيَّمَا وَالتَّبَرُّعُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ فَضْلِ غِنًى .
فَمَنْ كَانَ مُحْتَاجاً إلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الْمَنِيحَةُ كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُحْتَاجِينَ إلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِ خَيْبَرَ وَكَمَا كَانَ الْأَنْصَارُ مُحْتَاجِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إلَى أَرْضِهِمْ حَيْثُ عَامَلُوا عَلَيْهَا الْمُهَاجِرِينَ .
وَقَدْ تُوجِبُ الشَّرِيعَةُ التَّبَرُّعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ ؛ لِيُطْعِمُوا الْجِيَاعَ ؛ لِأَنَّ إطْعَامَهُمْ وَاجِبٌ .
فَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُحْتَاجِينَ إلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَأَصْحَابُهَا أَغْنِيَاءُ عَنْهَا نَهَاهُمْ عَنْ الْمُعَاوَضَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 115
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٥