فَمَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ بَلْ يَسُبُّ اللَّهَ وَيَقُولُ : إنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَأَنَّهُ صُلِبَ .
وَلَا يُؤْمِنُ بِرُسُلِهِ ؛ بَلْ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَ وَوَلَدَ وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ : هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ .
وَأَنَّ اللَّهَ أَوْ ابْنَهُ حَلَّ فِيهِ وَتَدَرَّعَهُ وَيَجْحَدُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ وَيُحَرِّفُ نُصُوصَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ؛ فَإِنَّ فِي الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبِعَةِ مِن التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مَا فِيهَا وَلَا يَدِينُ الْحَقَّ .
وَدِينُ الْحَقِّ هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ مِن الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ الَّذِي مَا زَالَ حَرَاماً مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَبَاحَهُ نَبِيٌّ قَطُّ ؛ بَلْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَمَا يَمْنَعُ بَعْضَهُمْ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ إلَّا الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ .
وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ الْعِنَادُ وَالْعَادَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ؛ لِأَنَّ عَامَّتَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِقِيَامَةِ الْأَبْدَانِ ؛ لَكِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؛ بَلْ غَايَةُ مَا يُقِرُّونَ بِهِ مِن النَّعِيمِ السَّمَاعُ وَالشَّمُّ .
وَمِنْهُمْ مُتَفَلْسِفَةٌ يُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَجْسَادِ وَأَكْثَرُ عُلَمَائِهِمْ زَنَادِقَةٌ وَهُمْ يُضْمِرُونَ ذَلِكَ وَيَسْخَرُونَ بِعَوَامِّهِمْ ؛ لَا سِيَّمَا بِالنِّسَاءِ والمترهبين مِنْهُمْ : بِضَعْفِ الْعُقُولِ .
فَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِجِهَادِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي دِينِ اللَّهِ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ وَهَذَا دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ الْمَسِيحُ لَمْ يَأْمُرْ بِجِهَادِ ؛ لَا سِيَّمَا بِجِهَادِ الْأُمَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 621
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٢١