مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } إلَى قَوْلِهِ : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
فَحُكْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا كُلَّهَا سَوَاءٌ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَكْثَرُ سَبَبِ الْأَهْوَاءِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ إنَّمَا هُوَ الْبَغْيُ وَتَرْكُ الْعَدْلِ ؛ فَإِنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ يُصِيبُ بَعْضُهَا بَعْضاً مِن الأُخْرَى : دَماً أَوْ مَالاً أَوْ تَعْلُو عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا تُنْصِفُهَا وَلَا تَقْتَصِرُ الْأُخْرَى عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ؛ فَالْوَاجِبُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْحَكَمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَحْوِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِذَا أَصْلَحَ مُصْلِحٌ بَيْنَهُمَا فَلْيُصْلِحْ بِالْعَدْلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ الْعَفْوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } .
{ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 377
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٧