لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا } .
فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارَ الْمُهَادِنِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يسمعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك وَهُوَ اسْتِمَاعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ لِلْكُفَّارِ الْمُعْلِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهَادِنُوا كَمَا أَنَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ قَدْ يَكُونُ سَمَّاعاً لِلْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } .
وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْمَعْنَى : سَمَّاعُونَ لِأَجْلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاسُوسِ ؛ أَيْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ وَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ : أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ : الْحِيطَانُ لَهَا آذَانٌ ؟ قَالَ : فِي قَوْلِهِ : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ .
{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } أَيْ لِيَكْذِبُوا : أَنَّ اللَّامَ لَامُ التَّعْدِيَةِ لَا لَامُ التَّبَعِيَّةِ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَتَيْنِ ؛ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ لَهُمْ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ .
كَمَا فِي قَوْلِهِ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " اسْتِحْبَابُ اللَّهِ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ قَبِلَ مِنْهُ يُقَالُ : فُلَانٌ يَسْمَعُ لِفُلَانِ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُ وَيُطِيعُهُ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْمَعَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَفْسَ السَّمْعِ الَّذِي يُشْبِهُ الْإِدْرَاكَ ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ طَلَباً : فَفَائِدَتُهُ وَمُوجِبُهُ الِاسْتِجَابَةُ وَالْقَبُولُ .
وَإِذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ خَبَراً .
فَفَائِدَتُهُ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ فَصَارَ يَدْخُلُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤