وَلِهَذَا كَانَ سُكْنَى الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلَ لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ .
وَهُوَ الَّذِي يَهْدِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ .
وَكُلُّ مَنْ سِوَاهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وَقَدْ فَسَّرُوهَا بِأَنَّهُ يُؤْذَنُ لِلشَّافِعِ وَالْمَشْفُوعِ لَهُ جَمِيعاً فَإِنَّ سَيِّدَ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ الشَّفَاعَةَ قَالَ : { فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي خَرَرْت لَهُ سَاجِداً وَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ فَيُقَالُ لِي : ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ تُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ .
قَالَ فَيَحُدُّ لِي حَدّاً فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ } .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ دُونَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : " إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ هُمْ أَصْحَابُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُمْ الشَّافِعُ وَمِنْهُمْ الْمَشْفُوعُ لَهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَأَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ : مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْك
مجموعة الفتاوى — صفحة 439
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٩