بِمَشَقَّةِ : كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ فَيَحْتَمِلُ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ وَيُثَابُ عَلَيْهَا لِمَا يَعْقُبُهُ مِن المَنْفَعَةِ .
كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ لَمَّا اعْتَمَرَتْ مِن التَّنْعِيمِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ : أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك } .
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فَائِدَةُ الْعَمَلِ مَنْفَعَةً لَا تُقَاوِمُ مَشَقَّتَهُ فَهَذَا فَسَادٌ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ .
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنَافِعُ الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْ تَحَمَّلَ مَشَقَّةً لِرِبْحِ كَثِيرٍ أَوْ دَفْعِ عَدُوٍّ عَظِيمٍ كَانَ هَذَا مَحْمُوداً .
وَأَمَّا مَنْ تَحَمَّلَ كُلَفاً عَظِيمَةً وَمَشَّاقاً شَدِيدَةً لِتَحْصِيلِ يَسِيرٍ مِن المَالِ أَوْ دَفْعِ يَسِيرٍ مِن الضَّرَرِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَعْتَاضَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ .
أَوْ مَشَى مَسِيرَةَ يَوْمٍ لِيَتَغَدَّى غَدْوَةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَغَدَّى خَيْراً مِنْهَا فِي بَلَدِهِ .
فَالْأَمْرُ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ جَمِيعُهُ مَبْنَاهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالِاقْتِصَادِ وَالتَّوَسُّطِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْأُمُورِ وَأَعْلَاهَا كَالْفِرْدَوْسِ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
هَذَا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ لَا تُقْصَدُ لِذَاتِهَا مِثْلِ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالْمَشْيِ .
وَأَمَّا مَا يُقْصَدُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 283
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٣