يَجْمَعُ فِي حَجَّتِهِ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يَجْمَعْ بِمِنًى وَلَا فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَلَكِنْ جَمَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بِعَرَفَةَ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ كَمَا قَصَرَ لِلسَّفَرِ ؛ بَلْ لِاشْتِغَالِهِ بِاتِّصَالِ الْوُقُوفِ عَنْ النُّزُولِ وَلِاشْتِغَالِهِ بِالْمَسِيرِ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَكَانَ جَمْعُ عَرَفَةَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ وَجَمْعُ مُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ السَّيْرِ الَّذِي جَدَّ فِيهِ وَهُوَ سَيْرُهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ فِي سَفَرِهِ : كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعاً كَمَا فَعَلَ بمزدلفة .
وَلَيْسَ فِي شَرِيعَتِهِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ ؛ بَلْ الْجَمْعُ الَّذِي جَمَعَهُ هُنَاكَ يُشْرَعُ أَنْ يُفْعَلَ نَظِيرُهُ كَمَا يَقُولُهُ الْأَكْثَرُونَ ؛ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولَ هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ دَلَّ عَلَى فَسَادِهَا وَلَيْسَ فِيمَا جَاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ ؛ بَلْ حُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ وَالْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ ثَبَتَ بِنَظِيرِهَا .
وَأَمَّا " الْقَصْرُ " فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِن خَصَائِصِ السَّفَرِ وَلَا تَعَلُّقَ لَا بِالنُّسُكِ وَلَا مُسَوِّغَ لِقَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُمْ بِسَفَرِ وَعَرَفَةُ عَنْ الْمَسْجِدِ بَرِيدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الَّذِينَ مَسَحُوا ذَلِكَ وَذَكَرَهُ الأزرقي فِي " أَخْبَارِ مَكَّةَ " .
فَهَذَا قَصْرٌ فِي سَفَرٍ قَدْرُهُ بَرِيدٌ وَهُمْ لَمَّا رَجَعُوا إلَى مِنًى كَانُوا فِي الرُّجُوعِ مِن السَّفَرِ وَإِنَّمَا كَانَ غَايَةُ قَصْدِهِمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 46
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦