وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُعَارِضِ بِقَوْلِهِ : { تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ } فَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ لِوُجُوهِ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عَنْهُ { لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِناً إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسَوْطِ أَوْ عَصاً } .
وَفِي إسْنَادِ الْآخَرِ مَقَالٌ أَيْضاً .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ وُلِّيَ وَإِنْ كَانَ تَوْلِيَةُ ذَلِكَ الْمُولَى لَا تَجُوزُ فَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُوَلُّوا عَلَيْهِمْ الْفُسَّاقَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ أَوْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهَا : فَقِيلَ لَا تَصِحُّ .
كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا .
وَقِيلَ : بَلْ تَصِحُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُمَا وَلَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَوْلِيَتُهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ الْإِنْكَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ يَسْكَرُونَ مِن الْحَشِيشَةِ ؛ بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا حَرَامٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ آكِلَهَا يُحَدُّ وَأَنَّهَا نَجِسَةٌ فَإِذَا كَانَ آكِلُهَا لَمْ يَغْسِلْ مِنْهَا فَمَهُ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً وَلَوْ غَسَلَ فَمَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 358
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٨