الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ وَيَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ مُنَاجٍ لِلَّهِ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَرَاهُ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ قَائِماً فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ .
وَالْإِحْسَانُ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك ثُمَّ كُلَّمَا ذَاقَ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ كَانَ انْجِذَابُهُ إلَيْهَا أَوْكَدَ وَهَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ .
وَالْأَسْبَابُ الْمُقَوِّيَةُ لِلْإِيمَانِ كَثِيرَةٌ ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْيَاكُمْ : النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ } وَلَمْ يَقُلْ : أَرِحْنَا مِنْهَا .
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ { لَيْسَ بِمُسْتَكْمِلِ لِلْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَزَلْ مَهْمُوماً حَتَّى يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ } أَوْ كَلَامٌ يُقَارِبُ هَذَا .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ .
فَإِنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِأَخْبَارِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِيهِ وَيَتَفَاضَلُونَ تَفَاضُلاً عَظِيماً وَيَقْوَى ذَلِكَ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَدَبُّراً لِلْقُرْآنِ .
وَفَهْماً وَمَعْرِفَةً بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَعَظْمَتِهِ وَتَفَقُّرِهِ إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ بِحَيْثُ يَجِدُ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَعَالَى مَعْبُودَهُ وَمُسْتَغَاثَهُ أَعْظَمَ مِن اضْطِرَارِهِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ مَعْبُودَهُ الَّذِي يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَيَأْنَسُ بِهِ وَيَلْتَذُّ بِذِكْرِهِ وَيَسْتَرِيحُ بِهِ وَلَا حُصُولَ لِهَذَا إلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ وَمَتَى كَانَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 606
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٠٦