إلَّا عَلَى سَجَّادَةٍ ؛ بَلْ قَدْ جَعَلَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِهَا مُحَرَّماً فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ امْتِنَاعَهُ مِن الْمُحَرَّمِ .
وَهَذَا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إلَّا فِي مَسَاجِدِهِمْ ؛ فَإِنَّ الَّذِي لَا يُصَلِّي إلَّا عَلَى مَا يُصْنَعُ لِلصَّلَاةِ مِن الْمَفَارِشِ شَبِيهٌ بِاَلَّذِي لَا يُصَلِّي إلَّا فِيمَا يَصْنَعُ لِلصَّلَاةِ مِن الْأَمَاكِنِ .
وَأَيْضاً فَقَدْ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِن شَعَائِرِ أَهْلِ الدِّينِ فَيَعُدُّونَ تَرْكَ ذَلِكَ مِن قِلَّةِ الدِّينِ وَمِن قِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ فَيَجْعَلُونَ مَا ابْتَدَعُوهُ مِن الْهَدْيِ الَّذِي مَا أُنْزِلَ بِهِ مِن سُلْطَانٍ أَكْمَلَ مِن هَدْيِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ .
وَرُبَّمَا تَظَاهَرَ أَحَدُهُمْ بِوَضْعِ السَّجَّادَةِ عَلَى مَنْكِبِهِ وَإِظْهَارِ الْمَسَابِحِ فِي يَدِهِ وَجَعْلِهِ مِن شِعَارِ الدِّينِ وَالصَّلَاةِ وَقَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا شِعَارَهُمْ وَكَانُوا يُسَبِّحُونَ وَيَعْقِدُونَ عَلَى أَصَابِعِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " { اعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ } وَرُبَّمَا عَقَدَ أَحَدُهُمْ التَّسْبِيحَ بِحَصَى أَوْ نَوَى .
وَالتَّسْبِيحُ بِالْمَسَابِحِ مِن النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ : أَنَّ التَّسْبِيحَ بِهِ أَفْضَلُ مِن التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا مُسْتَحَبّاً يَظْهَرُ فَقَصْدُ إظْهَارِ ذَلِكَ وَالتَّمَيُّزُ بِهِ عَلَى النَّاسِ مَذْمُومٌ ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ رِيَاءً فَهُوَ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الرِّيَاءِ إذْ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَصْنَعُ هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ الرِّيَاءُ وَلَوْ كَانَ رِيَاءً بِأَمْرِ مَشْرُوعٍ لَكَانَتْ إحْدَى الْمُصِيبَتَيْنِ ؛ لَكِنَّهُ رِيَاءٌ لَيْسَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 187
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٧