وَمَعْنَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ الْخُبْثُ مُنْتَفٍ فِيهَا وَلَكِنْ كَانَ أَصْلُهَا نَجِساً وَهَذَا لَا يَضُرُّ فَإِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِن الْخَبِيثِ وَيُخْرِجُ الْخَبِيثَ مِن الطَّيِّبِ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْوَى فِي الْحُجَّةِ نَصّاً وَقِيَاساً .
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَنْبَنِي طَهَارَةُ الْمَقَابِرِ .
فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ الْمَقْبَرَةِ الْعَتِيقَةِ .
يَقُولُونَ : إنَّهُ خَالَطَ التُّرَابَ صَدِيدُ الْمَوْتَى وَنَحْوُهُ وَاسْتَحَالَ عَنْ ذَلِكَ فَيُنَجِّسُونَهُ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الِاسْتِحَالَةِ وَغَيْرِهِ مِن الْأَقْوَالِ فَلَا يَكُونُ التُّرَابُ نَجِساً وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن { أَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَائِطاً لِبَنِي النَّجَّارِ وَكَانَ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ وَنَخْلٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ .
وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَجُعِلَ قِبْلَةً لِلْمَسْجِدِ } . . . فَهَذَا كَانَ مَقْبَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ .
ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِنَبْشِهِمْ لَمْ يَأْمُرْ بِنَقْلِ التُّرَابِ الَّذِي لَاقَاهُمْ وَغَيْرِهِ مِن تُرَابِ الْمَقْبَرَةِ وَلَا أَمَرَ بِالِاحْتِرَازِ مِن الْعُذْرَةِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ الْغَرَضَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْوَسْوَاسِ مِن تَوَقِّي الْأَرْضِ وَتَنْجِيسِهَا بَاطِلٌ بِالنَّصِّ .
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِيهِ نِزَاعٌ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ غَيْرِهِ مِن الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 182
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٢