بيّنته على ما ادّعى ، وبها نعى علينا كلّ ما نعى :
والدعاوي ما لم تقيموا عليها
بيّنات أبناؤها أدعياء
ولو أنّ زطّيّا أو كرديّا ألّف في مناقب آل أبي العاص ، أو آل أبي معيط ، لعدّه الأستاذ في الرعيل ممّن عندهم مقطع الحقّ ومشعب السداد ، ولجعل مؤلّفه الحدّ الفاصل بين الحقّ والباطل ، ومن عشق شيئا ، أعشى بصره ، وأمرض قلبه :
وعين الرضى عن كلّ عيب كليلة
كما أنّ عين السخط تبدي المساويا
ولو فرض أنّ في كتاب ابن شهرآشوب أحاديث لا يعرفها الأستاذ ، ولا يتعرّف عليها أمثاله - بل لو فرض ضعفها عندنا - فأيّ وزر يلحق الرجل بإيرادها في كتابه ، وكتابه غير خاصّ بصحاح السنن ، ولا هو ممّن أخذ على نفسه شرطا في جمعه . وقد استمرّت سيرة السلف والخلف من أثبات الامّة كافّة على جمع كلّ ما هو مأثور من السنن ، من غير انتقاء ولا تمحيص ، ولا سيّما السنن المأثورة في المناقب ، وعلى جواز ذلك انعقد الإجماع العملي من جميع فرق المسلمين من صدر الإسلام إلى هذه الأيّام ( 1 ) .
وهل هو إلّا واحد من مئات الأثبات سلكوا في حفظ المأثورات مسلك الاحتفاظ بها ، والاحتياط عليها ، بجمعها كلّها على علّاتها ؛ لئلّا يفوت الامّة شيء منها ، وتركوا تمحيصها - وهو واجب كفائيّ - اعتمادا على جهابذة آخرين ، تخصّصوا بالتمحيص وهم أهله .
شرح
( 1 ) لا كلام في أنّ أكثر أصحاب المسانيد من أثبات أهل السنّة ، لم يمحّصوا ما أثبتوه في مسانيدهم ، بل أثبتوا المأثور من ذلك ، سواء أكان صحيحا أم غير صحيح ؛ إذ لم يكونوا إلّا في صدد الجمع فقط ؛ احتفاظا بالمأثور واحتياطا على أن لا يضيع منه شيء ، وتركوا التمحيص لغيرهم .