وَأَمَّا عَلَى مَنْ قَالَ بِالنَّهْيِ مُطْلَقاً .
كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ - وَقَدْ صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ مِن الحُفَّاظِ وَبَيَّنُوا أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ لَا تُنَافِي الرِّوَايَةَ الْمُسْنَدَةَ الثَّابِتَةَ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ } فَاسْتَثْنَى الْحَمَّامَ مُطْلَقاً فَيَتَنَاوَلُ الِاسْمُ مَا دَخَلَ فِي الْمُسَمَّى .
فَلَهُمْ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّهْيَ تَعَبُّدٌ .
لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ .
كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ .
كَأَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ .
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ : يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي بَيْتاً قَالَ : بَيْتُك الْحَمَّامُ قَالَ : اجْعَلْ لِي قُرْآناً قَالَ : قُرْآنُك الشِّعْرُ قَالَ : اجْعَلْ لِي مُؤَذِّناً قَالَ : مُؤَذِّنُك الْمِزْمَارُ } وَهَذَا التَّعْلِيلُ كَتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ : { إنَّ عَلَى ذُرْوَةِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ وَإِنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ } إذْ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ هُنَاكَ بِالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَمَبَارِكِ الْغَنَمِ وَكِلَاهُمَا فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ سَوَاءٌ .
كَمَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا ؛ بِأَنَّهُ لِأَجْلِ مَسِّ النَّارِ مَعَ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلُحُومِ الْغَنَمِ وَكِلَاهُمَا فِي مَسِّ النَّارِ وَعَدِمِهِ سَوَاءٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 320
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٠