وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لَمَّا خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ إلَى الْمَدِينَةِ يُبَشِّرُ النَّاس بِفَتْحِ دِمَشْقَ وَمَسَحَ أُسْبُوعاً بِلَا خَلْعٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَصَبْت السُّنَّةَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَلَيْسَ الْخُفُّ كَالْجَبِيرَةِ مُطْلَقاً ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْعَبُ بِالْمَسْحِ بِحَالِ ؛ وَيُخْلَعُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى ؛ وَلَا بُدَّ مِنْ لُبْسِهِ عَلَى طَهَارَةٍ .
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ : أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ خَلْعُهُ فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِن التَّيَمُّمِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَلْعُهُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى فَقَدْ صَارَ كَالْجَبِيرَةِ يَمْسَحُ عَلَيْهِ كُلَّهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى رِجْلِهِ جَبِيرَةٌ يَسْتَوْعِبُهَا .
وَأَيْضاً فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْلَى مِن التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فِيمَا يُغَطِّي مَوْضِعَ الْغَسْلِ ؛ وَذَاكَ مَسْحٌ بِالتُّرَابِ فِي عُضْوَيْنِ آخَرَيْنِ : فَكَانَ هَذَا الْبَدَلُ أَقْرَبَ إلَى الْأَصْلِ مِن التَّيَمُّمِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ جَرِيحاً وَأَمْكَنَهُ مَسْحُ جِرَاحِهِ بِالْمَاءِ دُونَ الْغَسْلِ : فَهَلْ يَمْسَحُ بِالْمَاءِ أَوْ يَتَيَمَّمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .
هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَمَسْحُهُمَا بِالْمَاءِ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَمَسْحُ الْخُفِّ وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِن التَّيَمُّمِ فَلِأَنْ يَكُونَ مَسْحُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ أَوْلَى مِن التَّيَمُّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوْعِبُهَا بِالْمَسْحِ كَمَا يَسْتَوْعِبُ الْجِلْدَ ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا كَغَسْلِهِ وَهَذَا أَقْوَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 178
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٨