قُلْت : مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ الْقَصِيرَةَ لَا إعْجَازَ فِيهَا مِمَّا يُنَازِعُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَيَقُولُونَ : بَلْ السُّورَةُ مُعْجِزَةٌ بَلْ وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي الْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الْعِمَادِ - شَيْخُ جَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ - : قَوْلُهُ إنَّمَا جَازَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْيَسِيرِ مِن القُرْآنِ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ : مَا أَرَاهُ صَحِيحاً ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُحْتَرَمٌ وَإِنَّمَا سَاغَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ تَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ وَنَظَراً فِي تَحْصِيلِ الْمَثُوبَةِ وَالْحَرَجِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ كَمَا سَوَّغَ لَهُ الصَّلَاةَ مَعَ يَسِيرِ الدَّمِ مَعَ نَجَاسَتِهِ .
قُلْت : وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ : فَحَقٌّ بَلْ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } وَقَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ : إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ : إنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي فِيهِ لَيْسَتْ مَجَازاً وَنَظِيرُهَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازٌ فَقَدْ تَنَاقَضَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ الَّذِينَ قَالُوا : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَجَازاً ؛ فَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّنَاقُضُ .
وَأَيْضاً فَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَجَازاً غَيْرَ مَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ فِيهِ مِن المُبَالَغَةِ وَالْمُجَازَفَةِ مِن المَدْحِ وَالْهَجْوِ وَالْمُرَائِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يُصَانُ عَنْهُ كَلَامُ الْحَكِيمِ ؛ فَضْلاً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ : فَإِذَا كَانَ الْمُسَمِّي لَا يُسَمِّي مَجَازاً إلَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُسَمِّيَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 482
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٢