قَالَ : وَقَوْلُهُ : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ } وَالصَّلَوَاتُ لَا تَنْهَدِمُ ؟ فَيُقَالُ : قَدْ قِيلَ : إنَّ الصَّلَوَاتِ اسْمٌ لِمَعَابِدِ الْيَهُودِ يُسَمُّونَهَا صَلَوَاتٍ بِاسْمِ مَا يُفْعَلُ فِيهَا كَنَظَائِرِهِ ؛ وَهُوَ إنَّمَا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَكَانِ مَقْرُوناً بِقَوْلِهِ : { لَهُدِّمَتْ } وَالْهَدْمُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَكَانِ فَاسْتَعْمَلَهُ مَعَ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمَكَانِ .
قَالَ : وَقَوْلُهُ : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } ؟ فَنَقُولُ : لَفْظُ الْغَائِطِ فِي الْقُرْآنِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ : الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِن الأَرْضِ ؛ وَكَانُوا يَنْتَابُونَ الْأَمَاكِنَ الْمُنْخَفِضَةَ لِذَلِكَ وَهُوَ الْغَائِطُ كَمَا يُسَمَّى خَلَاءٌ لِقَصْدِ قَاضِي الْحَاجَةِ الْمَوْضِعَ الْخَالِيَ وَيُسَمَّى مِرْحَاضاً لِأَجْلِ الرَّحْضِ بِالْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْمَجِيءُ مِن الغَائِطِ اسْمٌ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَجِيءُ مِن الغَائِطِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَصَارَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً يُفْهَمُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ التَّغَوُّطُ فَقَدْ يُسَمُّونَ مَا يَخْرُجُ مِن الإِنْسَانِ غَائِطاً تَسْمِيَةً لِلْحَالِّ بِاسْمِ مَحَلِّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : جَرَى الْمِيزَابُ .
وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ : مُرْنَ أَزْوَاجَكُمْ يَغْسِلْنَ عَنْهُنَّ أَثَرَ الْغَائِطِ .
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ ؛ بَلْ الْمَجِيءُ مِن الغَائِطِ يَتَضَمَّنُ التَّغَوُّطَ فَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْعَمَلِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 467
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٧