جَعَلْته مَجَازاً تَجْعَلُهُ حَقِيقَةً وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْفَارِقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ مَنْ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ فَضْلاً عَنْ أَنْ يُمْكِنَهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ التَّعْبِيرَ فَرْعُ التَّصَوُّرِ فَمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يَقُولُ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً إلَّا كَانَ خَطَأً .
فَصْلٌ :
وَأَمَّا حُجَّتُهُ الثَّانِيَةُ ، فَقَوْلُهُ : كَيْفَ وَأَنَّ أَهْلَ الْأَعْصَارِ لَمْ تَزَلْ تَتَنَاقَلُ فِي أَقْوَالِهَا وَكُتُبِهَا عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ تَسْمِيَةَ هَذَا حَقِيقَةً وَهَذَا مَجَازاً فَيُقَالُ : هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ قَطْعاً فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطُّ عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ أَنَّهُمْ قَالُوا : هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ .
وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ أَهْلِ الْوَضْعِ وَلَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ نَقَلَ لُغَتَهُمْ بَلْ وَلَا ذَكَرَ هَذَا أَحَدٌ عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ وَبَيَّنُوا مَعَانِيَهُ وَمَا يَدُلُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَالَ : هَذَا اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ ؛ وَهَذَا مَجَازٌ وَلَا مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ لَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ وَلَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا مُجَاهِدٌ وَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَا عِكْرِمَةُ وَلَا الضَّحَّاكُ وَلَا طاوس وَلَا السدي وَلَا قتادة وَلَا غَيْرُ هَؤُلَاءِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ كَالْأَئِمَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 451
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥١