بِالْمَدِينَةِ إذْ كَانَ بِهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ نَائِبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيّاً مَعَ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ عِلْماً وَفَضْلاً مِنْ جَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلِهَذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يُنَاظِرُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الْفِقْهِ مُحْتَجّاً عَلَى الْمُنَاظَرِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَصَنَّفَ الشَّافِعِيُّ " كِتَابَ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ " يُبَيِّنُ فِيهِ مَا تَرَكَهُ الْمُنَاظِرُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِهِمَا .
وَجَاءَ بَعْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي فَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا صَنَّفَ الشَّافِعِيُّ قَالَ : إنَّكُمْ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ تَتْرُكُونَ قَوْلَيْهِمَا لِمَا هُوَ رَاجِحٌ مِنْ قَوْلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ غَيْرُكُمْ يَتْرُكُ ذَلِكَ لِمَا هُوَ رَاجِحٌ مِنْهُ .
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ : أَنَّ سَائِرَ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الْكُوفَةِ كَانُوا مُنْقَادِينَ لِعِلْمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَكْفَاءَهُمْ فِي الْعِلْمِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مِثْلَ الأوزاعي وَمَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مِن الشَّامِيِّينَ وَمِثْلَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ قَبْلُ وَمَنْ بَعْدُ مِن المِصْرِيِّينَ وَأَنَّ تَعْظِيمَهُمْ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاتِّبَاعَهُمْ لِمَذَاهِبِهِمْ الْقَدِيمَةِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ .
وَكَذَلِكَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَأَيُّوبِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ؛ وَأَمْثَالِهِمْ .
وَلِهَذَا ظَهَرَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّ أَهْلَ مِصْرَ صَارُوا نُصْرَةً لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَجِلَّاءُ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمِصْرِيِّينَ كَابْنِ وَهْبٍ ؛ وَابْنِ الْقَاسِمِ ؛ وَأَشْهَبَ : وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ .
وَالشَّامِيُّونَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 314
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٤