الْمُرِيدُ بِحَالِ وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ بِلَا قُدْرَةٍ لَا يُوجَدُ مُرَادُهَا وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُشْتَرِكَيْنِ تَامَّ الْقُدْرَةِ تَامَّ الْإِرَادَةِ لَوَجَبَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ وَحْدَهُ وَوُجُودُهُ بِهِ وَحْدَهُ يَمْنَعُ وُجُودَهُ بِالْآخَرِ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ : وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ وَحْدَهُ : وَعَدَمُ وُجُودِ الْمَفْعُولِ بِهِ وَحْدَهُ وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلاً غَيْرَ فَاعِلٍ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ .
وَهَذَا التَّمَانُعُ لَيْسَ هُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الفَاعِلَيْنِ يَمْنَعُ الْآخَرَ كَمَا يُقَالُ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيكَ جِسْمٍ وَالْآخَرُ تَسْكِينَهُ ؛ أَوْ إمَاتَةَ شَخْصٍ وَالْآخَرُ إحْيَاءَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَمَانُعٌ ذَاتِيٌّ وَهُوَ : أَنَّهُ تَمَانُعُ اشْتِرَاكِ شَرِيكَيْنِ تَامَّيْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي مَفْعُولٍ هُمَا عَلَيْهِ تَامَّا الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فَإِنَّ مَنْ كَانَ عَلَى الشَّيْءِ تَامُّ الْقُدْرَةِ وَهُوَ لَهُ تَامُّ الْإِرَادَةِ وَجَبَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ وَحْدَهُ وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ كَذَلِكَ وَجَبَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ .
وَهَذَانِ يَتَتَابَعَانِ وَيَتَمَانَعَانِ إذْ الْإِثْبَاتُ يَمْنَعُ النَّفْيَ وَالنَّفْيُ يَمْنَعُ الْإِثْبَاتَ تَمَانُعاً وَتَنَاقُضاً ذَاتِيّاً .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ مُوجِبٌ لِنَقْصِ الشَّرِيكِ فِي نَفْسِ الْقُدْرَةِ وَإِذَا قُدِّرَ اثْنَانِ مُرِيدَانِ لِأَمْرِ مِن الأُمُورِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الَّذِي يَفْعَلُهُ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَفْعُولَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْآخَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بِبَعْضِ الْمَفْعُولِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 177
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٧