بِهَا السَّحَرَةُ بَعْدَ أَنْ جَاءُوا بِسِحْرِ عَظِيمٍ وَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوا النَّاسَ ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ الْحَقُّ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ قَالُوا : { آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } { رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ : { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى } { قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } مِن الدَّلَائِلِ الْبَيِّنَاتِ الْيَقِينِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَعَلَى الَّذِي فَطَرَنَا ؛ وَهُوَ خَالِقُنَا وَرَبُّنَا الَّذِي لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ لَنْ نُؤْثِرَك عَلَى هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ وَعَلَى خَالِقِ الْبَرِيَّةِ { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } { إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِن القُرْآنِ يُبَيِّنُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مِن الاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ نَوْعاً غَيْرَ النَّوْعِ الْآخَرِ كَمَا يُسَمَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكِتَابُهُ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارٌ بَلْ فِيهِ تَنْوِيعُ الْآيَاتِ مِثْلَ : أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قِيلَ : مُحَمَّدٌ وَأَحْمَد ؛ وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ ؛ وَالْمُقَفَّى ؛ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ فِي كُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَتْ الذَّاتُ وَاحِدَةً فَالصِّفَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 167
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٧