وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ :
هَذِهِ " قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ " وَلِلنَّاسِ فِي تَفَاصِيلِهَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ صَارَ فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ فِي كُلِّ نَوْعَيْ الْأَحْكَامِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْعَيْنِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن العُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْكَلِمَاتِ بَلْ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِرَادَاتِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ تَابِعاً لِمُتَعَلِّقِهِ مُطَابِقاً لَهُ ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعُهُ تَابِعاً لَهُ مُطَابِقاً لَهُ .
وَلِهَذَا انْقَسَمَ الْحَقُّ وَالْحَقَائِقُ وَالْكَلِمَاتُ إلَى مَوْجُودٍ ؛ وَمَقْصُودٍ .
إلَى كَوْنِيٍّ ؛ وَدِينِيٍّ .
إلَى قَدَرِيٍّ وَشَرْعِيٍّ .
كَمَا قَدْ بَيَّنْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَنَازَعَ النُّظَّارُ فِي الْعِلْمِ : هَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ ؟ بَلْ هُوَ انْفِعَالِيٌّ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ؟ أَوْ الْمَعْلُومُ تَابِعٌ لَهُ وَالْعِلْمُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَهُوَ فِعْلِيٌّ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ ؟ .
وَالصَّوَابُ أَنَّ الْعِلْمَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا تَابِعٌ وَالثَّانِي مَتْبُوعٌ .
وَالْوَصْفَانِ يَجْتَمِعَانِ فِي الْعِلْمِ غَالِباً أَوْ دَائِماً فَعِلْمُنَا بِمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى عِلْمِنَا كَعِلْمِنَا بِوُجُودِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَذَلِكَ عِلْمُنَا بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالنَّبِيِّينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 129
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٩