مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ : كَانَ كَوْنُهُ مُتَكَلِّماً أَوْ فَاعِلاً مِنْ لَوَازِمِ حَيَاتِهِ وَحَيَاتُهُ لَازِمَةٌ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً فَعَّالاً ؛ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَيَّ يَتَكَلَّمُ وَيَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ وُجُودَ كَلَامٍ بَعْدَ كَلَامٍ وَفِعْلٍ بَعْدَ فِعْلٍ فَالْفَاعِلُ يَتَقَدَّمُ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ وَلَا نَقُولُ : إنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ مِن الأَوْقَاتِ وَلَا قُدْرَةَ حَتَّى خُلِقَ لَهُ قُدْرَةٌ وَاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ هُوَ عَاجِزٌ وَلَكِنْ نَقُولُ : لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِماً قَادِراً مَالِكاً لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا كَيْفَ .
فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ قَدِيمٌ مَعَهُ .
لَا بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنْ قُدِّرَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقاً فَعَّالاً .
وَإِذَا قِيلَ : إنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ } أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ خالقيته دَائِمَةً وَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ وَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ ؟ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَطِّلاً غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ يَصِيرَ قَادِراً وَالْفِعْلُ مُمْكِناً لَهُ بِلَا سَبَبٍ .
وَأَمَّا جَعْلُ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ مُقَارِناً لَهُ أَزَلاً وَأَبَداً فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلٌ لِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ مُقَارِناً لِمَفْعُولِهِ أَزَلاً وَأَبَداً مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 228
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٨