الْحَقَائِقَ سَوَاءٌ عَلِمَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا وَإِنَّمَا خَاطَبَ الْجُمْهُورَ بِمَا يُخَيَّلُ لَهُمْ وَمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ .
فَصَارَ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْنُّفَاةِ مُخْطِئِينَ فِي السَّمْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَصَارَ خَطَؤُهُمْ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ تَسَلُّطِ الْفَلَاسِفَةِ لَمَّا ظَنَّ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ إلَّا قَوْلَانِ : قَوْلُ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَوْلُهُمْ .
وَقَدْ رَأَوْا أَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ بَاطِلٌ فَجَعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً فِي تَصْحِيحِ قَوْلِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَصْلاً وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا مَعْرِفَةَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ : أَنَّ الْغَلَطَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِنُصُوصِ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ بَلْ وَالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ ؛ فَإِنَّهُ أَوْقَعَ كَثِيراً مِن النُّظَّارِ وَأَتْبَاعَهُمْ فِي الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا إلَّا قَوْلَيْنِ : قَوْلَ الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْقِدَمِ وَقَوْلَ الْجَهْمِيَّة الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلاً عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَأَوْا لَوَازِمَ كُلِّ قَوْلٍ تَقْتَضِي فَسَادَهُ وَتَنَاقُضَهُ فَبَقُوا حَائِرِينَ مُرْتَابِينَ جَاهِلِينَ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي حَقِيقَةِ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ فَوَجَدُوا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْمَفْعُولُ الْمُعَيَّنُ مُقَارِناً لِلْفَاعِلِ أَزَلاً وَأَبَداً وَصَرِيحُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 225
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٥