يَقُولُ : هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ الخولاني إذَا حَدَّثَ بِهِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ .
وَرَاوِيهِ أَبُو ذَرٍّ الَّذِي مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْهُ وَهُوَ مِن الأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْآناً وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْبَابِ زَاهِرٌ الشحامي وَعَبْدُ الْغَنِيِّ المقدسي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي وَغَيْرُهُمْ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ : " { حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي } " يَتَضَمَّنُ جُلَّ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ إذَا أُعْطِيَتْ حَقَّهَا مِن التَّفْسِيرِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا فِيهَا مَا لَا بُدَّ مِن التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ مِنْ أَوَائِلِ النُّكَتِ الْجَامِعَةِ .
وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : " { وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تظالموا } " فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الدِّينَ كُلَّهُ ؛ فَإِنَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ رَاجِعٌ إلَى الظُّلْمِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْعَدْلِ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِأَجْلِ قِيَامِ النَّاسِ بِالْقِسْطِ .
وَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ الَّذِي بِهِ يَنْصُرُ هَذَا الْحَقَّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 157
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٧