تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
مَعَ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ بِمَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ كَاقْتِصَارِ أُولَئِكَ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ فِي فِعْلِ الظُّلْمِ وَاَلَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ عَامُّهُمْ وَخَاصُّهُمْ أَنَّ الظَّالِمَ فَاعِلٌ لِلظُّلْمِ وَظُلْمُهُ فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ وَكُلٌّ مِن الفَرِيقَيْنِ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : مَنْ فَعَلَ مُحَرَّماً عَلَيْهِ أَوْ مَنْهِيّاً عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْإِطْلَاقُ صَحِيحٌ . لَكِنْ يُقَالُ : قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْهِ نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِيَ الْمُطِيعِينَ وَأَنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي حَرَّمَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُحَرَّماً عَلَيْهِ أَوْ مُوجِباً عَلَيْهِ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ ظُلْمٌ بِلَا رَيْبٍ وَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتْرُكُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ عَادِلٌ لَيْسَ بِظَالِمِ كَمَا يَتْرُكُ عُقُوبَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَكَمَا يَتْرُكُ أَنْ يَحْمِلَ الْبَرِيءُ ذُنُوبَ الْمُعْتَدِينَ . فَصْلٌ : قَوْلُهُ : " { وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تظالموا } " يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَرِيفُ الْقَدْرِ عَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد