هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْمَشَّائِينَ بَلْ قَالَ : لَا دَلِيلَ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ وَرَأَى النُّبُوَّاتِ قَدْ أَخْبَرَتْ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ كَثْرَتَهُمْ بِطَرِيقَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " وَالرَّازِي فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " وَغَيْرِهِمَا .
وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ أَوْ كُلَّ مُحْدَثٍ أَوْ كُلَّ مَخْلُوقٍ : فَهُوَ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ : كُلُّ مَوْجُودٍ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَيَقُولُونَ : لَا يُعْقَل مَوْجُودٌ إلَّا كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ ثُمَّ الْمُتَفَلْسِفَةُ كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَالشِّهْرِسْتَانِي وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمْ لَمَّا أَرَادُوا إثْبَاتَ مَوْجُودٍ لَيْسَ كَذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ عُمْدَتِهِمْ إثْبَاتَ الْكُلِّيَّاتِ كالإنسانية الْمُشْتَرِكَةِ والحيوانية الْمُشْتَرِكَةِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ لَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ إلَّا فِي الذِّهْنِ فَلَمْ يُنَازِعْهُمْ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَازَعُوهُمْ فِي إثْبَاتِ مَوْجُودٍ خَارِجَ الذِّهْنِ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِحَالِ بَلْ لَا يَكُونُ مَعْقُولاً .
وَقَالُوا لَهُمْ : الْمَعْقُولُ مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ وَأَمَّا مَا كَانَ مَوْجُوداً قَائِماً بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُمْكِنَ الْإِحْسَاسُ بِهِ وَإِنْ لَمْ نُحِسَّ نَحْنُ بِهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا لَا نُحِسُّ بِالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحِسَّ بِهِ غَيْرُنَا كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَأَنْ يُحِسَّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَوْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 339
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٩