الصُّورَةِ الْجِسْمِيَّةِ غَيْرَ نَفْسِ الْجِسْمِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَهَذَا غَلَطٌ .
وَإِنَّمَا هَذَا يُقَدَّرُ فِي النَّفْسِ كَمَا يُقَدَّرُ امْتِدَادُ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلِّ مُمْتَدٍّ وَعَدَدٍ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلٍّ مَعْدُودٍ وَمِقْدَارٍ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلّ مُقَدَّرٍ وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ .
وَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ مَنْ عَادَتُهُ نَصْرُ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ .
كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَالْجَوَاهِرُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي يُثْبِتُهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بَعْد التَّصَوُّرِ التَّامِّ انْتِفَاؤُهَا فِي الْخَارِجِ .
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهَذِهِ لَا يَعْرِفُهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ أَتْبَاعَ أَرِسْطُو وَلَا يَذْكُرُونَهَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ كَمَا لَا يَعْرِفُونَ النُّبُوَّاتِ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُتَأَخِّرُوهُمْ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ الْفَلْسَفَةِ فَلَبَّسُوا وَدَلَّسُوا .
وَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الْأُولَى " الَّتِي يُثْبِتُونَهَا لِهَذَا الْعَالَمِ إنَّمَا أَثْبَتُوا عِلَّةً غائية يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا وَتَحْرِيكُهَا لِلْفَلَكِ مِنْ جِنْسِ تَحْرِيكِ الْإِمَامِ الْمُقْتَدَى بِهِ لِلْمُؤْتَمِّ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِإِمَامِهِ وَيَقْتَدِيَ بِإِمَامِهِ وَلَفْظُ " الْإِلَهِ " فِي لُغَتِهِمْ يُرَادُ بِهِ الْمَتْبُوعُ الْإِمَامُ الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِ فَالْفَلَكُ عِنْدَهُمْ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِالْإِلَهِ وَلِهَذَا جَعَلُوا " الْفَلْسَفَةَ الْعُلْيَا " و " الْحِكْمَةَ الْأُولَى " إنَّمَا هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ فِي " مَقَالَةِ اللَّامِ " الَّتِي هِيَ مُنْتَهَى فَلْسَفَتِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 329
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٩