الْقَدَرِيَّةُ : الْعَبْدُ قَادِرٌ تَامُّ الْقُدْرَةِ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَلَا حَاجَةٍ إلَى أَنْ يُحَدِّثَ اللَّهَ مَا بِهِ يَخْتَصُّ بِهِ فِعْلُ أَحَدِهِمَا ؛ بَلْ هُوَ - مَعَ أَنَّ نِسْبَتَهُ إلَى الضِّدَّيْنِ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ سَوَاءٌ - يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِلَا مُرَجِّحٍ لَا مِن اللَّهِ وَلَا مِن العَبْدِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إعَانَةِ اللَّهِ وَلَا إلَى أَنْ يَجْعَلَهُ شَائِياً وَلَا يَجْعَلَهُ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجْعَلَهُ مُسْلِماً .
وَمَعْلُومٌ بِالْعُقُولِ خِلَافُ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يُشَاء لَمْ يَكُنْ لَكِنَّ الْمَدْحَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُطْلَقُ الْمَشِيئَةِ لَا مُعَوِّقٌ لَا إذَا أَرَادَ شَيْئاً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت وَلَكِنْ لِيَعْزِمَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ } .
فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ لَيْسَ لَهُ مُكْرِهٌ حَتَّى يُقَالَ لَهُ افْعَلْ إنْ شِئْت وَلَا يَفْعَلُ إنْ لَمْ يَشَأْ .
فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا أَرَادَ شَيْئاً كَانَ قَادِراً عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ .
لَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ يَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حِكْمَةٌ بَلْ يَفْعَلُ عِنْدَهُمْ مَا وُجُودُ فِعْلِهِ وَعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَدْحِ بَلْ الْمَعْقُولُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ فَمَنْ فَعَلَ لِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ حِكْمَةٍ لِفِعْلِهِ وَلَا تَضَمَّنَ غَايَةً مُجَرَّدَةً كَانَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْراً لَهُ .
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مَنْ نَسَبَهُ إلَى هَذَا فَقَالَ تَعَالَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 173
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٣