بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ لَهَا مَثَلاً فَمَنْ قَالَ : إنَّ كُلَّ مَا نَزَلَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَهُوَ مَثَلٌ لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقَدْ نَاقَضَ الرَّسُولَ فِي خَبَرِهِ .
وَأَيْضاً فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ : { أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } وَمَعَ تَمَاثُلِ كُلِّ حَدِيثٍ لِلَّهِ فَلَيْسَ الْقُرْآنُ أَحْسَنَ مِن التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْقُرْآنَ مِن الأَحْكَامِ .
فَإِنْ قِيلَ : نَحْنُ نُسَلِّمُ لَكُمْ أَنَّ اللَّهَ خَصَّ بَعْضَ كَلَامِهِ مِن الثَّوَابِ وَالْأَحْكَامِ بِمَا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ لَكِنَّ هَذَا عِنْدَنَا بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ ؛ لَا لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْكَلَامِ بِوَصْفِ امْتَازَ بِهِ عَنْ الْآخَرِ .
قِيلَ : أَوَّلاً هَذَا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ .
ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ .
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَوَّزُوا هَذَا قَالُوا : إنَّ الرَّبَّ يَزَلْ مُعَطِّلاً وَمَا كَانَ يُمْكِنُ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلَا أَنْ يَفْعَلَ .
ثُمَّ صَارَ الْكَلَامُ وَالْفِعْلُ مُمْكِناً مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ شَيْءٍ اقْتَضَى انْتِقَالَهُمَا مِن الامْتِنَاعِ إلَى الْإِمْكَانِ وَقَالُوا : إنَّ الْقَادِرَ الْمُرَجِّحَ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ .
ثُمَّ قَالَتْ الْجَهْمِيَّة : وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِقَادِرِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يُرَجِّحُ شَيْئاً بَلْ اللَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ لِفِعْلِهِ وَفِعْلُهُ هُوَ نَفْسُ فِعْلِ الرَّبِّ .
وَقَالَتْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 172
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٢