وَالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ إنَّمَا تَكُونُ كَمَالاً إذَا تَضَمَّنَتْ أُمُوراً وُجُودِيَّةً ؛ وَلِهَذَا كَانَ تَسْبِيحُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَهُ وَتَعْظِيمَهُ جَمِيعاً فَقَوْلُ الْعَبْدِ : " سُبْحَانَ اللَّهِ " يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَ اللَّهِ وَبَرَاءَتَهُ مِن السُّوءِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ عَظَمَتَهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ عَدَماً مَحْضاً لَا يَتَضَمَّنُ وُجُوداً فَإِنَّ هَذَا لَا مَدْحٌ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمٌ .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَنَزَّهَ الرَّبُّ عَنْهُ مِن الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثاً إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً } - إلَى قَوْلِهِ - { إذاً لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً } { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً } { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } { وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ } وَغَيْرُ ذَلِكَ .
فَنَفْيُ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْكَمَالِ وَنَفْيُ الشُّرَكَاءِ يَقْتَضِي الْوَحْدَانِيَّةَ وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَا لَهُ نَظِيرٌ قَدْ انْقَسَمَتْ صِفَاتُ الْكَمَالِ وَأَفْعَالُ الْكَمَالِ فِيهِ وَفِي نَظِيرِهِ فَحَصَلَ لَهُ بَعْضُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا كُلُّهَا .
فَالْمُنْفَرِدُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَهُ شَرِيكٌ يُقَاسِمُهُ إيَّاهَا .
وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ أَكْمَلَ حُبّاً لِلَّهِ مِن المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ غَيْرَهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ .
قَالَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 144
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٤