تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
فَهُوَ يَتَبَرَّأُ فِي الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ مِمَّا يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ فِي أَيْ زَمَانٍ كَانَ وَيَنْفِي جَوَازَ عِبَادَتِهِ لِمَعْبُودِهِمْ وَيُبَيِّنُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ وَلَا يَصْلُحُ وَلَا يَسُوغُ . فَهُوَ يَنْفِي جَوَازَهُ شَرْعاً وَوُقُوعاً . فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُقَالُ إلَّا فِيمَا يُسْتَقْبَحُ مِن الأَفْعَالِ كَمَنْ دُعِيَ إلَى ظُلْمٍ أَوْ فَاحِشَةٍ فَقَالَ : " أَنَا أَفْعَلُ هَذَا ؟ مَا أَنَا بِفَاعِلِ هَذَا أَبَداً " . فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ " لَا أَفْعَلُهُ أَبَداً " . وَهَذَا كَقَوْلِهِ { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } . فَهُوَ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْفِعْلِ بُغْضاً فِيهِ وَكَرَاهَةً لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " لَا أَفْعَلُ " . فَقَدْ يَتْرُكُهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ يُحِبُّهُ لِغَرَضِ آخَرَ . فَإِذَا قَالَ " مَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ " دَلَّ عَلَى الْبُغْضِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْمَقْتِ لِمَعْبُودِهِمْ وَلِعِبَادَتِهِمْ إيَّاهُ . وَهَذِهِ هِيَ الْبَرَاءَةُ . وَلِهَذَا تُسْتَعْمَلُ فِي ضِدِّ الْوِلَايَةِ فَيُقَالُ : تَوَلَّ فُلَاناً وَتَبَرَّأَ مِنْ فُلَانٍ . كَمَا قَالَ تَعَالَى { إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } الْآيَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنْ الْكُفَّارِ : { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } فَهُوَ خِطَابٌ لِجِنْسِ الْكُفَّارِ وَإِنْ أَسْلَمُوا فِيمَا بَعْدُ فَهُوَ خِطَابٌ لَهُمْ مَا دَامُوا كُفَّاراً . فَإِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ ذَلِكَ . فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ مُؤْمِنُونَ لَا كَافِرُونَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 555 | ابن تيمية