الْمَاضِيَةِ كَمَا تَبَرَّأَ أَوَّلاً مِمَّا عَبَدُوهُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ .
فَتَضَمَّنَتْ الْجُمْلَتَانِ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ مَا يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ مَاضٍ وَحَاضِرٍ وَمُسْتَقْبَلٍ .
وَقَوْلُهُ أَوَّلاً : { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } لَا يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ .
وَقَوْلُهُ { وَلَا أَنَا عَابِدٌ } اسْمُ فَاعِلٍ قَدْ عَمِلَ عَمَلَ الْفِعْلِ لَيْسَ مُضَافاً فَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ أَيْضاً .
لَكِنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَالنَّفْيُ بِمَا بَعْدَ الْفِعْلِ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى كَمَا تَقُولُ : مَا أَفْعَلُ هَذَا وَمَا أَنَا بِفَاعِلِهِ .
وَقَوْلُك " مَا هُوَ بِفَاعِلِ هَذَا أَبَداً " أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِك " مَا يَفْعَلُهُ أَبَداً " .
فَإِنَّهُ نَفَى عَنْ الذَّاتِ صُدُورَ هَذَا الْفِعْلِ عَنْهَا بِخِلَافِ قَوْلِك " مَا يَفْعَلُ هَذَا " فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي إمْكَانَهُ وَجَوَازَهُ مِنْهُ .
وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " مَا هُوَ فَاعِلاً وَمَا هُوَ بِفَاعِلِ " كَمَا فِي قَوْلِهِ { فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } وَقَوْلِهِ { مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } وَقَوْلِهِ { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } { وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ } { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } .
وَلَا يُقَالُ : الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَرْكُ الثُّبُوتِ وَنَفْيُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 553
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥٣