وَيُقَالُ لِلْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ : هُوَ مَا يَنْفَكُّ مِنْ هَذَا كَمَا لَا يَنْفَكُّ الْأَسِيرُ وَالرَّقِيقُ مِن المُسْتَوْلَى عَلَيْهِ .
فَقَوْلُهُ { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } أَيْ لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ بِاخْتِيَارِ أَنْفُسِهِمْ يَفْعَلُونَ مَا يَهْوَوْنَهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِمْ كَمَا أَنَّ الْمُنْفَكَّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ .
وَهُوَ لَمْ يَقُلْ " مَفْكُوكِينَ " بَلْ قَالَ { مُنْفَكِّينَ } .
وَهَذَا أَحْسَنُ فَإِنَّهُ نَفْيٌ لِفِعْلِهِمْ .
وَلَوْ قَالَ " مَفْكُوكِينَ " كَانَ التَّقْدِيرُ : لَمْ يَكُونُوا مُسَيِّبِينَ مُخِلِّينَ فَهُوَ نَفْيٌ لِفِعْلِ غَيْرِهِمْ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَتْرُوكِينَ لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ وَلَا تُرْسَلُ إلَيْهِمْ رُسُلٌ بَلْ يَفْعَلُونَ مَا شَاءُوا مِمَّا تَهْوَاهُ الْأَنْفُسُ .
وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مَا يُخَلِّيهِمْ وَلَا يَتْرُكُهُمْ .
فَهُوَ لَا يَفُكُّهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولاً .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى .
أَيْ أَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَكُونُ ؟ هَذَا مَا لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ ؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمَرَ وَيُنْهَى .
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } { أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ } .
وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ أَيْ لِأَجْلِ إسْرَافِكُمْ نَتْرُكُ إنْزَالَ الذِّكْرِ وَنُعْرِضُ عَنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ .
وَمَنْ كَرِهَ إرْسَالَهُمْ ؟
مجموعة الفتاوى — صفحة 495
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩٥