تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ الْأَكْرَمُ . وَالْإِرَادَةُ الَّتِي يُثْبِتُونَهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَمْعٌ وَلَا عَقْلٌ . فَإِنَّهُ لَا تُعْرَفُ إرَادَةٌ تُرَجِّحُ مُرَاداً عَلَى مُرَادٍ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ . وَمَنْ قَالَ مِن الجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ " إنَّ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ " فَهُوَ مُكَابِرٌ . وَتَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِالْجَائِعِ إذَا أَخَذَ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ وَالْهَارِبِ إذَا سَلَكَ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إلَّا مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا إمَّا لِكَوْنِهِ أَيْسَرَ فِي الْقُدْرَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِهِ وَتَصَوَّرَهُ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَنْفَعُ . فَلَا بُدَّ مِنْ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا بِنَوْعِ مَا إمَّا مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ وَالشُّعُورِ . وَحِينَئِذٍ يُرَجِّحُ إرَادَتَهُ وَالْآخَرُ لَمْ يُرِدْهُ . فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ إرَادَتَهُ رَجَّحَتْ أَحَدَهُمَا بِلَا مُرَجِّحٍ ؟ أَوْ أَنَّهُ رَجَّحَ إرَادَةَ هَذَا عَلَى إرَادَةِ ذَاكَ بِلَا مُرَجِّحٍ ؟ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ يُعْرَفُ امْتِنَاعُهُ مِنْ تَصَوُّرِهِ حَقَّ التَّصَوُّرِ . وَلَكِنْ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي مَبْدَأِ الْخَلْقِ بِكَلَامِ ابْتَدَعُوهُ خَالَفُوا بِهِ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ احْتَاجُوا إلَى هَذِهِ الْمُكَابَرَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَبِذَلِكَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . فَلَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِلْفَلَاسِفَةِ كَسَرُوا .