تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
جَعَلَك كَاذِباً بِالدِّينِ فَجَعَلَ كَذِبَهُ أَنَّهُ أَشْرَكَ وَأَنَّهُ أَنْكَرَ الْمُعَادَ وَهَذَا ضِدُّ الَّذِي يُنْكِرُ . ذَاكَ جَعَلَهُ مُكَذِّباً بِالدِّينِ وَهَذَا جَعَلَهُ كَاذِباً بِالدِّينِ . وَالْأَوَّلُ فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالثَّانِي فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى . فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ الْكَافِرُ . وَالْكَافِرُ كَذَّبَ بِهِ لَمْ يُكَذِّبْ هُوَ بِهِ . وَأَيْضاً فَلَا يُعْرَفُ فِي الْمُخْبِرِ أَنْ يُقَالَ " كَذَبْت بِهِ " بَلْ يُقَالُ " كَذَّبْته " . وَأَيْضاً فَالْمَعْرُوفُ فِي " كَذِبِهِ " أَيْ نَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْكَذِبَ فِيهِ . فَهَذَا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ بَلْ الْمَعْرُوفُ خِلَافُهُ . وَهُوَ لَمْ يَقُلْ " فَمَا يُكَذِّبُك " وَلَا قَالَ " فَمَا كَذَّبَك " . وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ { فَمَا يُكَذِّبُكَ } فَقَالَ قتادة وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ : هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اللَّهُ لَهُ : " فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُك فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ مِن الجَزَاءِ وَالْبَعْثِ وَهُوَ الدِّينُ بَعْدَ هَذِهِ الْعِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَّظَرَ فِيهَا صِحَّةُ مَا قُلْت " ؟ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمِيعَ شَرْعِهِ وَدِينِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 286 | ابن تيمية