هَجْرَهُ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ فَإِذَا أَعْلَنَ السَّيِّئَات أُعِلْنَ هَجْرُهُ وَإِذَا أَسَرَّ أُسِرَّ هَجْرُهُ إذْ الْهِجْرَةُ هِيَ الْهِجْرَةُ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَهِجْرَةُ السَّيِّئَاتِ هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } وَقَالَ : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذاً مِثْلُهُمْ .
} وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ بِمِصْرِ وَذَهَبَ بِهِ أَخُوهُ إلَى أَمِيرِ مِصْرَ عَمْرِو بْنِ العاص لِيَجْلِدَهُ الْحَدَّ جَلَدَهُ الْحَدَّ سِرّاً وَكَانَ النَّاسُ يَجْلِدُونَ عَلَانِيَةً فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عَمْرٍو يُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ .
وَلَمْ يَعْتَدَّ عُمَرُ بِذَلِكَ الْجَلْدِ حَتَّى أَرْسَلَ إلَى ابْنِهِ فَأَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ فَجَلَدَهُ الْحَدَّ عَلَانِيَةً وَلَمْ يَرَ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِالْحَدِّ الْأَوَّلِ وَعَاشَ ابْنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ وَلَمْ يَمُتْ مِنْ ذَلِكَ الْجَلْدِ وَلَا ضَرَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا يَزْعُمُهُ الْكَذَّابُونَ .
قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } الْآيَةُ : نَهَى تَعَالَى عَمَّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي الْعُقُوبَاتِ عُمُوماً وَفِي أَمْرِ الْفَوَاحِشِ خُصُوصاً فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ مَبْنَاهُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالرَّأْفَةِ الَّتِي يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ بِانْعِطَافِ الْقُلُوبِ عَلَى أَهْلِ الْفَوَاحِشِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآفَةِ فِي الدِّيَاثَةِ وَقِلَّةِ الْغَيْرَةِ إذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 287
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٧