اللَّهِ رَحْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ قَرِيبٌ مِن المُحْسِنِينَ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ دُعَائِهِ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وَخَوْفاً وَطَمَعاً .
فَقَرَّرَ مَطْلُوبَكُمْ مِنْهُ وَهُوَ الرَّحْمَةُ بِحَسَبِ أَدَائِكُمْ لِمَطْلُوبِهِ وَإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ .
وقَوْله تَعَالَى { إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } لَهُ دَلَالَةٌ بِمَنْطُوقِهِ وَدَلَالَةٌ بِإِيمَائِهِ وَتَعْلِيلِهِ بِمَفْهُومِهِ .
فَدَلَالَتُهُ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى قُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ وَدَلَالَتُهُ بِإِيمَائِهِ وَتَعْلِيلِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقُرْبَ مُسْتَحَقٌّ بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ السَّبَبُ فِي قُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنْهُمْ وَدَلَالَتُهُ بِمَفْهُومِهِ عَلَى بُعْدِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُحْسِنِينَ .
فَهَذِهِ ثَلَاثُ دَلَالَاتِ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ؛ وَإِنَّمَا اُخْتُصَّ أَهْلُ الْإِحْسَانِ بِقُرْبِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ مِن اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَإِحْسَانُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ وَكُلَّمَا أَحْسَنُوا بِأَعْمَالِهِمْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ فَإِنَّهُ لَمَّا بَعُدَ عَنْ الْإِحْسَانِ بَعُدَتْ عَنْهُ الرَّحْمَةُ بُعْدٌ بِبُعْدِ وَقُرْبٌ بِقُرْبِ فَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالْإِحْسَانِ تَقَرَّبَ اللَّهُ إلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ وَمَنْ تَبَاعَدَ عَنْ الْإِحْسَانِ تَبَاعَدَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَحْمَتِهِ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيُبْغِضُ مَنْ لَيْسَ مِن المُحْسِنِينَ وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَرَحْمَتُهُ أَقْرَبُ شَيْءٍ مِنْهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ فَرَحْمَتُهُ أَبْعَدُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 27
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧