وَهُوَ لَا يُحِبُّ فَاعِلَهُ وَمَنْ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَأَيُّ خَيْرٍ يَنَالُهُ ؟ وقَوْله تَعَالَى { إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } عَقِيبَ قَوْلِهِ : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فَهُوَ مِن المُعْتَدِينَ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمْ ؛ فَقَسَّمَتْ الْآيَةُ النَّاسَ إلَى قِسْمَيْنِ ؛ دَاعٍ لِلَّهِ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وَمُعْتَدٍ بِتَرْكِ ذَلِكَ .
وقَوْله تَعَالَى { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا } قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : لَا تُفْسِدُوا فِيهَا بِالْمَعَاصِي وَالدَّاعِي إلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ بَعْدَ إصْلَاحِ اللَّهِ إيَّاهَا بِبَعْثِ الرُّسُلِ وَبَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالدُّعَاءِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ مُفْسِدٌ فَإِنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ وَالدَّعْوَةَ إلَى غَيْرِهِ وَالشِّرْكَ بِهِ هُوَ أَعْظَمُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بَلْ فَسَادُ الْأَرْضِ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } قَالَ عَطِيَّةُ فِي الْآيَةِ : وَلَا تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ فَيُمْسِكَ اللَّهُ الْمَطَرَ وَيَهْلِكَ الْحَرْثَ بِمَعَاصِيكُمْ .
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ : إذَا قَحَطَ الْمَطَرُ فَالدَّوَابُّ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ فَتَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ فَبِسَبَبِهِمْ أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ وَقَحَطَ الْمَطَرُ .
و " بِالْجُمْلَةِ " فَالشِّرْكُ وَالدَّعْوَةُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ وَإِقَامَةُ مَعْبُودٍ غَيْرِهِ أَوْ مُطَاعٍ مُتَّبَعٍ غَيْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَعْظَمُ الْفَسَادِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 24
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤