تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يَقْتَضِي ذَلِكَ فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ أَنَّ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ مَقْدُورٌ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ لَهُمْ وَلَا ضِيقٍ وَلَا حَرِجٍ ؛ بِخِلَافِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الشَّخْصُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْدُوراً لَهُ وَلَكِنْ فِيهِ ضِيقٌ وَحَرَجٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا وُسْعُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُ فِي سَعَةٍ فَهُوَ دُونَ مَدَى الطَّاقَةِ وَالْمَجْهُودِ ؛ بَلْ لِنَفْسِهِ فِيهِ مَجَالٌ وَمُتَّسَعٌ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلضِّيقِ وَالْحَرَجِ { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } بَلْ { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة فِي قَوْلِهِ : { إلَّا وُسْعَهَا } إلَّا يُسْرَهَا لَا عُسْرَهَا وَلَمْ يُكَلِّفْهَا طَاقَتَهَا وَلَوْ كَلَّفَهَا طَاقَتَهَا لَبَلَغَ الْمَجْهُودُ . فَهَذَا فَهْمُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ كَلَّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَهُ أَلْبَتَّةَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ثَمَرَةَ هَذَا التَّكْلِيفِ وَغَايَتَهُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ انْتِفَاعِهِ بِكَسْبِهِمْ وَتَضَرُّرِهِ بِاكْتِسَابِهِمْ ؛ بَلْ لَهُمْ كَسْبُهُمْ وَنَفْعُهُ . وَعَلَيْهِمْ اكْتِسَابُهُمْ وَضَرَرُهُ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ حَاجَةً مِنْهُ إلَيْهِمْ ؛ بَلْ رَحْمَةً وَإِحْسَاناً وَتَكَرُّماً وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ بَلْ حَمِيَّةً وَحِفْظاً وَصِيَانَةً وَعَافِيَةً . وَفِيهِ أَيْضاً أَنَّ نَفْساً لَا تُعَذَّبُ بِاكْتِسَابِ غَيْرِهَا وَلَا تُثَابُ بِكَسْبِهِ فَفِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .