وَيَجْعَلُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي يُخَالِفُهَا مِن المُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا اللَّهُ أَوْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَالرَّاسِخُونَ عِنْدَهُمْ مَنْ كَانَ مُوَافِقاً لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ ؛ وَهَؤُلَاءِ أَضَلُّ مِمَّنْ تَمَسَّكَ بِمَا تَشَابَهَ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ وَتَرْكِ الْمُحْكَمِ كَالنَّصَارَى وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ؛ إذْ كَانَ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَجَعَلُوهُ مُحْكَماً وَجَعَلُوا الْمُحْكَمَ مُتَشَابِهاً .
وَأَمَّا أُولَئِكَ - كنفاة الصِّفَاتِ مِن الجَهْمِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَالْفَلَاسِفَةِ - فَيَجْعَلُونَ مَا ابْتَدَعُوهُ هُمْ بِرَأْيِهِمْ هُوَ الْمُحْكَمَ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِن الأَنْبِيَاءِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُوَافِقُهُ وَيَجْعَلُونَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحاً قَدْ يُعْلَمُ مَعْنَاهُ بِالضَّرُورَةِ يَجْعَلُونَهُ مِن المُتَشَابِهِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ أَعْظَمَ مُخَالَفَةً لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ حَتَّى قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُمَا كَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد : أَنَّ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ خَارِجُونَ عَنْ الثِّنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً قَالُوا : وَأُصُولُهَا أَرْبَعَةٌ : الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } فِي الْمُتَشَابِهَاتِ قَوْلَانِ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 143
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٣