وَالْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كُلُّهَا تُخَالِفُ هَذَا وَهَذَا وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ نَادَاهُ حِينَ جَاءَ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ فِي وَقْتٍ بِكَلَامِ مُعَيَّنٍ كَمَا قَالَ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .
وَالْقُرْآنُ فِيهِ مئون مِن الآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَلَا تُحْصَى .
وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا : لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ؛ فَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَمْ نَعْرِفْ عَنْ أَحَدٍ مِن السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا مِن المُتَأَخِّرِينَ : هُوَ قَدِيمٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْمُرَادَ ؛ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ قَدِيمٌ فِي عِلْمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَدِيمٌ أَيْ مُتَقَدِّمُ الْوُجُودِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ذَاتِ زَمَانِ الْمَبْعَثِ ؛ لَا أَنَّهُ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ مُرَادُنَا بِقَدِيمِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إذَا خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ رَآهَا وَسَمِعَ أَصْوَاتَ عِبَادِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ؛ إذْ كَانَ خَلْقُهُ لَهُمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَبِذَلِكَ صَارُوا يُرَوْنَ وَيُسْمَعُ كَلَامُهُمْ وَقَدْ جَاءَ فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 132
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٢