يَكُنْ صِفَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ } وَقَوْلِهِ فِي الْمَسِيح : { وَرُوحٌ مِنْهُ } وَكَذَلِكَ مَا يَقُومُ بِالْأَعْيَانِ كَقَوْلِهِ : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } .
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا صِفَةً وَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا مَحَلٌّ كَانَ صِفَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } .
وَكَذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن القُرْآنِ أَنَّ الْقُرْآنَ نُزِّلَ مِنْهُ وَأَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْهُ رَدّاً عَلَى هَذَا الْمُبْتَدِعِ الْمُفْتَرِي وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَقُولُ : إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } { عَلَى قَلْبِكَ } وَقَالَ { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } وَقَالَ هُنَا { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ } فَبَيَّنَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَهُ مِن اللَّهِ لَا مِنْ هَوَاءٍ وَلَا مِنْ لَوْحٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ سَائِر آيَاتِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } وَقَوْلِهِ { حم } { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } وَقَوْلِهِ { حم } { تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَقَوْلِهِ { ألم } { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَقَوْلِهِ { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 519
مساهمون: ابن تيمية
ص٥١٩