وَالْأَصْلُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدّاً وَإِنْ كَانَ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِن المُتَأَخِّرِينَ : وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِداً .
قَصَدُوا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ وَلَا كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ وَلَا شَيْءٌ مِن الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْقَدِيمُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ .
وَلَفْظُ " الْوَاجِبُ وَالْقَدِيمُ " يُرَادُ بِهِ الْإِلَهُ الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْقَدِيمُ فَهَذَا لَيْسَ إلَّا وَاحِداً وَيُرَادُ بِهِ صِفَاتُهُ الْأَزَلِيَّةُ وَهِيَ قَدِيمَةٌ وَاجِبَةٌ بِتَقَدُّمِ الْمَوْصُوفِ وَوُجُوبِهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ مُمَاثِلَةً لَهُ وَلَا تَكُونُ إلَهاً كَمَا أَنَّ صِفَةَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ بِنَبِيِّ وَصِفَةَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ لَيْسَتْ بِإِنْسَانِ وَلَا حَيَوَانٍ وَكَمَا أَنَّ صِفَةَ الْمُحْدَثِ إنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً فَمُوَافَقَتُهَا لَهُ فِي الْحُدُوثِ لَا يَقْتَضِي مُمَاثَلَتَهَا لَهُ وَمَا ذَكَرُوا مِن الحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ .
فَإِذَا قَالُوا : لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْعَالِمِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ .
قِيلَ لَهُ : وَلِمَ قُلْتُمْ بِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْوَاجِبِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ؛ إذْ كَانَتْ الذَّاتُ الْوَاجِبَةُ إلَهاً وَاحِداً مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْكَمَالِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 231
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣١