الْمُقَدِّمَةُ فِي غَايَةِ الشَّرَفِ وَالْعُلُوِّ وَهِيَ غَايَةُ عُقُولِ الْعُقَلَاءِ .
قَالُوا : الْوُجُودُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاجِباً فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ : إذْ لَوْ كَانَ مُمْكِناً لَافْتَقَرَ إلَى مُؤَثِّرٍ آخَرَ .
[ " أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى " وَهِيَ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ : فَهَذَا لَهُ لَازِمَانِ : الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّهاً عَنْ الْكَثْرَةِ فِي حَقِيقَتِهِ ثُمَّ يَلْزَمُ فِي ذَاتِهِ أُمُورٌ : " أَحَدُهَا " أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَيِّزاً ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ مُنْقَسِمٌ وَالْمُنْقَسِمُ لَا يَكُونُ فَرْداً وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزاً لَمْ يَكُنْ فِي جِهَةٍ .
وَ " ثَانِيهَا " أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَاشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ وَتَبَايَنَا فِي التَّعْيِينِ وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ ؛ فَيَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَكَّباً فِي نَفْسِهِ وَقَدْ فَرَضْنَاهُ فَرْداً هَذَا خَالَفَ اللَّازِمَ الثَّانِيَ ؛ لِكَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ أَنْ لَا يَكُونُ حَالّاً وَلَا مَحَلّاً وَالْأَفْعَالُ الِافْتِقَارُ هِيَ . . . قُلْت : وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : هَذَا هُوَ أَصْلُ الْفَلَاسِفَةِ فِي التَّوْحِيدِ الَّذِي نَفَوْا بِهِ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدّاً ] .
مجموعة الفتاوى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠